أحداث 04-02-2026

لقاء أدبي متميز: ياسمينة خضرا والرواية كضمير للعالم العربي والعالمي

في صبيحة اليوم الثلاثاء 03 فبراير 2026، لم تكن قاعة المحاضرات الكبرى – قطب وسط المدينة مجرّد فضاء جامعي يحتضن نشاطًا ثقافيًا عابرًا، بل ملتقى حقيقي للحوار الفكري بين المعرفة الأكاديمية والإبداع الأدبي، احتضنت فيه الجامعة الروائي الجزائري العالمي محمد مولسهول المعروف باسمه الأدبي "ياسمينة خضرا" الذي يُعد من أشهر الروائيين الجزائريين في العالم، حيث كتب عشرات الروايات ونشرت مؤلفاته في أكثر من 60 دولة، ما جعل صوته الأدبي حاضرًا على المستوى الدولي، في لقاء تجاوز الاحتفاء الرمزي إلى نقاش عميق حول الرواية ودورها في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه الأسئلة، بحضور مدير الجامعة الأستاذ مراد مغاشو ونوابه والأستاذ عبد الرحمان خربوش عميد كلية الآداب والفنون والأستاذة وسيلة مورو عميدة كلية اللغات والأساتذة والطلبة والأسرة الإعلامية.
افتُتح اللقاء بكلمة ترحيبية للأستاذ عبد الرحمان خربوش عميد كلية الآداب والفنون، الذي وضع هذا الحدث في سياقه الأكاديمي والإنساني، معتبرا حضور كاتب بحجم ياسمينة خضرا داخل الفضاء الجامعي ليس مجرّد تكريم، بل تأكيد على أن الأدب جزء من المعرفة وأداة في بناء الوعي النقدي وتحدث عن الأدب بوصفه جسرًا يربط بين الجامعة والمجتمع، وبين النظرية والتجربة الحيّة التي يعيشها الناس في الواقع.
تولّت الأستاذة نجاة بن شوك أستاذة بقسم اللغة الفرنسية، إدارة اللقاء بطريقة تعكس وعيًا بأهمية الحوار الفكري ولم تكتف بطرح أسئلة عابرة بل قادت نقاشًا لامس جوهر المشروع الروائي لياسمينة خضرا وفتح أمامه مساحة واسعة للحديث عن فلسفته في الكتابة، كانت أسئلتها تدفع باتجاه فهم أعمق لتصوّر الكاتب للرواية ليس بوصفها مرآة محايدة للواقع، بل ضميرًا حيًا يشهد على العالم ويتفاعل معه. بدا من اللحظات الأولى أن النقاش سيتجاوز حدود التقنيات السردية إلى مساءلة العلاقة المعقدة بين الأدب والواقع، وبين الكاتب ومسؤوليته تجاه الإنسان والتاريخ.
في مداخلاته، كان ياسمينة خضرا واضحًا في رؤيته للرواية الحقيقية بوصفها لا تُكتب للتسلية ولا تُقرأ للهروب من الواقع بل تُنجز بوصفها شهادة إنسانية، هذه الشهادة تحفظ ذاكرة الشعوب، ترصد آلام الإنسان وانكساراته وتقف ضد النسيان والتزييف، مؤكدا أن الأدب الصادق يتحوّل بالضرورة تقريبًا إلى فعل مقاومة ثقافية وفكرية، الرواية تصبح صوتًا لمن لا صوت لهم في خضم العنف والصراعات ومساحة لفهم التحولات التي تعصف بالعالم المعاصر.
استحضر الكاتب تجارب روائية عالمية وعربية شكّلت علامات في تاريخ الأدب، وتوقف عند أسماء كتّاب رأى في أعمالهم نموذجًا للرواية التي حملت همّ الإنسان وعبّرت عن مجتمعاتها بصدق كنجيب محفوظ الذي تحدث عنه بإعجاب واصفًا كيف حوّل تفاصيل الحياة اليومية البسيطة إلى مادة سردية ذات بعد كوني. هذه الفكرة تكررت في كلام ياسمينة خضرا بأشكال مختلفة وكأنه يريد التأكيد على أن الكتابة مسؤولية قبل أن تكون موهبة.
في لحظة مميزة من اللقاء، أُفسح المجال لتدخل أدبي قدّمته الطالبتان مروة خلخال من كلية الآداب والفنون ونورهان زينب فاتح من كلية الطب، عكست هذه اللحظة حضور الطلبة ليس كمتلقين فقط، بل كأصوات لها ما تقوله في المشهد الثقافي.
تفاعل ياسمينة خضرا مع الطالبتين بطريقة مباشرة وتشجيعية، مشيرًا إلى أن الإبداع يبدأ من وعي الإنسان بنفسه وأن أخطر ما يواجهه الإنسان ليس العالم الخارجي بتعقيداته، بل عجزه عن فهم ذاته ومساءلتها، مستحضرا إحدى الأفكار المركزية للمفكر الجزائري مالك بن نبي.
تطرّق النقاش أيضًا إلى مسألة اللغة والهوية، وهي قضية حساسة بالنسبة لكاتب جزائري يكتب بالفرنسية، موضحًا أن اختياره الكتابة بهذه اللغة لم يكن يومًا تنكرًا لانتمائه أو هروبًا من هويته، بل وسيلة لنقل التجربة الجزائرية إلى العالم بلغة يفهمها ملايين القراء، كما تميّزت الجلسة بنقاشات ثرية وأسئلة عميقة تناولت حدود الالتزام الأدبي ومسؤولية المثقف في عالم متحوّل، فأجاب ياسمينة خضرا بصراحة وعمق مستحضرًا تجربته الشخصية، مشدّدًا على أن الحرية الفكرية تشكّل الشرط الأساسي لأي إبداع صادق وأن الأدب الحقيقي لا يمكن أن يزدهر إلا في ظل فضاء يسمح بالتفكير المستقل والمساءلة الأخلاقية.
في ختام اللقاء، قدّم ياسمينة خضرا هدية خاصة للجامعة عبارة عن مجموعة من كتبه ثم جاء دور مدير الجامعة الأستاذ مراد مغاشو الذي كرّم الكاتب وألقى كلمات عبر فيها عن تقدير الجامعة لمسيرته الطويلة ولجهوده في نقل الأدب الجزائري إلى العالم، مؤكّدًا أن حضوره لم يكن مجرد لقاء ثقافي، بل درس حي للأجيال القادمة في الإبداع والالتزام والوعي. واختتم اللقاء بجلسة توقيع لأعمال ياسمينة خضرا الأدبية.