في سياق المتابعة الميدانية لمسار تحديث المنظومة الجامعية، شدّ معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي السيد كمال بداري الرحال صباح يوم الخميس 14 ماي 2026 نحو ولاية تلمسان في زيارة عمل وتفقّد ل جامعة تلمسان توقّف خلالها عند جملة من المرافق والمشاريع التابعة للقطاع، ساعيًا إلى الوقوف عن قرب على مدى نضج المنشآت الجامعية ووتيرة المبادرات الابتكارية الموجَّهة لخدمة البحث العلمي وتشجيع المشاريع الطلابية المنبثقة عن منظومة المؤسسات الناشئة.
كان في استقبال السيد الوزير والوفد المرافق له على مستوى مقر الديوان، السيد يوسف بشلاوي والي الولاية بحضور السيدات والسادة: رئيس المجلس الشعبي الولائي، وأعضاء اللجنة الأمنية والسادة نواب البرلمان، والأمينة العامة للولاية، ورئيسة الديوان، فيما تصدَّر الأسرة الجامعية مدير الجامعة الأستاذ مراد مغاشو ونوابه، إضافةً إلى ثلة من إطارات وأعضاء الأسرة الجامعية من أساتذة وطلبة، فضلًا عن ممثلين عن الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين.
انطلقت فعاليات الزيارة من القطب الجامعي بوسط المدينة، أين توجّه السيد الوزير إلى مركز المحاكاة الطبية بكلية الطب، وعاين هناك جيلًا متقدّمًا من الأجهزة المخصّصة للتكوين في شتى الفروع الطبية، وهي أجهزة تُشكّل قيمة مضافة في مسعى عصرنة التكوين الطبي، نظرًا لكونها تُعيد إنتاج بيئة تدريبية شديدة القرب من الواقع المهني، وفق مرجعيات علمية حديثة ذات اعتماد دولي. وفي هذه المحطة، استُعرض أمام السيد الوزير عرضٌ خاص بتجهيز المركز بطاولات تشريح ذكية صُمّمت وأُنجزت محليًا، بهدف احتضان الإبداع المحلي ودفع عجلة الحلول التكنولوجية الوطنية في حقل التكوين الجامعي. وعرّج السيد الوزير في الموقع ذاته على مكتبة الكلية، حيث تابع مراحل عملية رقمنتها والخدمات الإلكترونية التي باتت في متناول الطلبة والأساتذة بما يُيسّر ولوجهم إلى أوعية المعرفة العالمية، مبرزًا أن رقمنة المنظومة الجامعية واعتماد أساليب تكوين بيداغوجية متطوّرة يُمثلان دعامتين جوهريتين لتحسين جودة التكوين وملاحقة المستجدات العلمية والتكنولوجية.
انتقل الوفد المرافق للسيد الوزير صوب القطب الجامعي شتوان، أين اطّلع على وضعية مشروع إنجاز عيادة طب الأسنان، بغية التحقّق من جاهزية هذا الفضاء الحيوي ونوعية ما أُنجز فيه من أشغال، ضمانًا لتوفير محيط بيداغوجي وصحي يُلائم متطلبات تكوين طلبة كلية طب الأسنان، ويُسهم في الارتقاء بظروف التطبيق والممارسة العلاجية. وقُدّمت للسيد الوزير شروحات تفصيلية حول مختلف المراحل المنجزة ونسب التقدّم المسجّلة.
في ذات القطب، تواصل برنامج الزيارة بإشراف السيد الوزير على تدشين ملحقة المدرسة العليا للأساتذة، وقد تلقّى بالمناسبة عرضًا مفصّلًا حول هذا المرفق الجامعي المستحدث، الذي يندرج ضمن مساعي توطيد البنية البيداغوجية وتحسين ظروف التكوين، خاصةً ما تعلّق بإعداد وتأهيل الأساتذة عبر مختلف أطوار المسار التعليمي، استجابةً لحاجيات القطاع ومواكبةً لمتطلبات إصلاح المنظومة التربوية. وأبرز السيد الوزير في هذا الشأن أهمية المراهنة على العنصر البشري وتجويد التكوين، مُثمّنًا الجهود المبذولة لتشييد فضاءات جامعية بمواصفات عصرية تُرافق الطلبة وتُغذّي حركية التأطير البيداغوجي والبحث العلمي.
ضمن المحطات اللاحقة بذات القطب، عاين السيد الوزير الأشغال الجارية على مستوى مشروع الإقامة الجامعية الجديدة ذات الطاقة الاستيعابية المقدّرة بخمسمائة (500) سرير، وأنصت إلى عرض موسّع تناول وتيرة الأشغال والمواعيد المرتقبة للتسليم، مُسلّطًا الضوء على الدور المفصلي الذي تضطلع به هذه المنشآت الإيوائية في تحسين ظروف الإقامة الطلابية وتهيئة محيط جامعي يُفضي إلى تحصيل أكاديمي في أحسن الأحوال. كما حثّ على التشبّث بمعايير الجودة ورفع نسق الإنجاز، ضمانًا لتسليم المشروع ووضعه قيد الاستغلال في الآجال المرسومة.
تواصل برنامج الزيارة بالقطب الجامعي الجديد بمنصورة، حيث استهلّ السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي هذه المحطة بالوقوف عند مخبر التصنيع FABLAB، أين عاين ما يتوفّر عليه من تجهيزات وتقنيات حديثة في مجالات الميكانيك والطباعة ثلاثية الأبعاد والقطع بالليزر، وهي وسائل من شأنها أن تفتح أمام الطلبة آفاقًا أوسع للانتقال من التصوّر النظري إلى الإنجاز التطبيقي. وقد استمع بالمناسبة إلى شروحات حول عدد من النماذج والمشاريع التي طوّرها طلبة الجامعة، في صورة تعكس تنامي ثقافة الابتكار داخل الوسط الجامعي وتؤكد قابلية التكوين الأكاديمي للتحوّل إلى مبادرات عملية ذات بعد إنتاجي. وفي امتداد هذه المحطة، تابع السيد الوزير عرضًا حول مشاريع PROTOMARKET وما تتيحه من إمكانات لتطوير حلول رقمية وتكنولوجية مبتكرة، حيث تم إبراز جملة من المبادرات التي تعكس توجّه الجامعة نحو تشجيع المشاريع الناشئة وربطها بحاجات المحيط الاقتصادي والاجتماعي. كما اطّلع على مشاريع أخرى ما تزال في طور الاستكمال والتسجيل، بما يجسّد الحركية المتصاعدة التي تعرفها الجامعة في مجال مرافقة الطلبة أصحاب الأفكار وتمكينهم من تحويل تصوّراتهم إلى مشاريع قابلة للتجسيد الميداني.
عقب ذلك، أشرف السيد الوزير على تدشين مقرّ الشباك الوحيد التابع لمركز الطالب i2E، وهو فضاء استُحدث ليؤمّن مرافقة مندمجة للطلبة حاملي الأفكار والمشاريع، من خلال جمع خدمات الاستقبال والتوجيه والتأطير ضمن إطار موحّد يُيسّر الولوج إلى مختلف آليات الدعم والمرافقة. وفي هذا السياق، اطّلع على طبيعة المهام التي يضطلع بها هذا الفضاء، لاسيما ما اتصل بالتوجيه نحو الحاضنة الجامعية ومركز تطوير المقاولاتية، ومرافقة الطلبة في مجالات التكوين والابتكار والتأهيل المهني، فضلًا عن متابعة المشاريع المنجزة في إطار القرار الوزاري 1275، بما يعكس توجّهًا مؤسساتيًا متناميًا نحو ترسيخ بيئة جامعية حاضنة للمبادرة والإبداع.
كما احتضن القطب ذاته معرضًا لأعمال الطلبة في تخصصات البيولوجيا والتكنولوجيا وريادة الأعمال، عُرضت من خلاله نماذج تطبيقية تشهد على قدرتهم في تحويل ما يكتسبونه من معارف إلى منتجات وحلول قابلة للاستثمار، قبل أن تُتوَّج هذه المحطة بتدشين القاعة المخصّصة لذوي الهمم، تجسيدًا لإيمان الجامعة بمبدأ الإدماج وتكافؤ الفرص.
على هامش الزيارة، احتضنت قاعة المحاضرات بالمكتبة المركزية لقاءً تقييميًا وتشاوريًا جمع السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي بمختلف مكوّنات الأسرة الجامعية، وذلك بحضور السلطات المحلية وإطارات القطاع والشركاء المعنيين. استُهلّ هذا اللقاء بكلمةٍ ترحيبية ألقاها مدير جامعة تلمسان الأستاذ مراد مغاشو، رفع من خلالها إلى معالي الوزير أسمى عبارات الترحيب والتقدير، مُعربًا عن بالغ اعتزاز الأسرة الجامعية بهذه الزيارة التي تندرج في سياق المتابعة الميدانية الحثيثة التي تُوليها الوصاية لمسار تحديث الجامعة الجزائرية والارتقاء بأدائها البيداغوجي والعلمي. كما أبرز، في معرض كلمته، الجهود المبذولة من طرف الجامعة في سبيل تعزيز نوعية التكوين، وترقية البحث العلمي، وتكريس ثقافة الابتكار والمقاولاتية في الوسط الطلابي، فضلًا عن توسيع مجالات الانفتاح على المحيط الاقتصادي والاجتماعي، بما ينسجم مع التوجّهات الوطنية الرامية إلى بناء جامعة عصرية، منتجة للمعرفة، وفاعلة في مسارات التنمية.
إثر ذلك، ألقى السيد الوالي كلمةً نوّه فيها بالعناية الخاصة التي ما فتئت الدولة توليها لقطاع التعليم العالي والبحث العلمي، باعتباره ركيزةً استراتيجية في إعداد الكفاءات وصناعة النخب ومرافقة التحوّلات التنموية المنشودة. كما ثمّن الجهود المبذولة لترقية جامعة تلمسان وتدعيم منشآتها وهياكلها البيداغوجية والعلمية، مؤكدًا أن الجامعة تظلّ شريكًا أساسيًا في خدمة التنمية المحلية، من خلال ما تضطلع به من أدوار محورية في إنتاج المعرفة، وتأهيل الموارد البشرية، وتوفير بيئة ملائمة لاحتضان المبادرات المبتكرة والمشاريع ذات القيمة المضافة. وأشار في هذا الإطار، إلى حرص السلطات المحلية على مرافقة هذا الصرح العلمي ودعم مختلف المساعي الرامية إلى تعزيز إشعاعه الأكاديمي وتثمين مساهمته في خدمة الولاية والوطن.
في كلمته، ركّز السيد الوزير على ضرورة جسر الهوّة بين البحث العلمي وحاجيات المجتمع، والانفتاح على المحيط الاقتصادي ومرافقة الطلبة أصحاب المشاريع. كما اعتبر أن خيار التأسيس لجامعة من الجيل الرابع لم يعد ترفًا ولا قرارًا ظرفيًا، بل غدا توجّهًا استراتيجيًا يرمي إلى إنشاء جامعة مبتكرة، رقمية، منفتحة على محيطها الاقتصادي والاجتماعي وقادرة على تثمين المعرفة وثمار البحث العلمي بتحويلها إلى منتجات تنموية ذات قيمة مضافة.
ختمت الزيارة فعالياتها بإمضاء جملة من اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية، جمعت بين مؤسسات ناشئة وفاعلين في الميدان الاقتصادي، أبرزها توقيع اتفاقيات بين مؤسسة ناشئة ناشطة في التجارة الإلكترونية وشركة "SOFIZPAY"، إلى جانب اتفاقية شراكة بين حاضنة أعمال جامعة تلمسان وذات الشركة، خطوةٌ من شأنها تمتين الروابط بين الفضاء الجامعي والمحيط الاقتصادي، وتمكين نواتج البحث العلمي من التحوّل إلى مشاريع قابلة للتجسيد على أرض الواقع. كما اغتُنمت المناسبة لتكريم نخبة من الطلبة المتفوقين الذين أحرزوا نتائج مشرّفة في المسابقات العلمية الوطنية والمنافسات الرياضية، عرفانًا بتميّزهم ودفعًا لهم نحو مواصلة درب النجاح.
مُجمل ما حملته هذه الزيارة يكشف عن النفَس الجديد الذي تستلهمه جامعة تلمسان في مسيرتها، فهي تمضي بثبات نحو تأكيد حضورها كقطب منتج للمعرفة وحاضن للابتكار، ولبنة أساسية في صرح التنمية المحلية والوطنية، وهي ديناميكية تعكس أن الجامعة الجزائرية في حاضرها لم تعد رهينة قوالب التعليم التقليدي، بل تحوّلت إلى ورشة حقيقية لصناعة الغد يتقاطع فيها العلم بالإبداع لتوليد قيمة تنموية ملموسة في خدمة الإنسان والمجتمع.
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |




















