أحداث 02-11-2026

جامعة تلمسان تحيي الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة تحت شعار «نوفمبر ذاكرة وطن ومستقبل أمة»

في رحاب المكتبة المركزية بقطب إيمامة، وتحت سماءٍ تتجدد فيها كل عام معاني الوفاء، أحيت جامعة تلمسان ليلة السبت 31 أكتوبر 2026 الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة، تحت شعار «نوفمبر ذاكرة وطن ومستقبل أمة». ولم تكن هذه التظاهرة وقوفًا على أطلال الماضي، بل وقفةَ إجلالٍ أمام محطة فارقة في مسيرة الشعب الجزائري نحو الحرية واسترجاع السيادة الوطنية، استُذكرت فيها تضحيات جيل نوفمبر الذي بذل الغالي والنفيس، وما قدّمه الشهداء والمجاهدون حتى تنعم الجزائر بالاستقلال والكرامة، وجُدّد فيها العهد على حفظ الأمانة ونقل قيمها إلى الأجيال الصاعدة.
استُهلّ البرنامج بآيات بيّنات من الذكر الحكيم أعقبها الاستماع إلى النشيد الوطني، ثم الوقوف ترحّمًا على أرواح شهداء الجزائر الأبرار بقراءة فاتحة الكتاب، في لحظة خاشعة جسّدت عِظَم التضحيات التي عبّدت طريق الحرية.
وبعدها توالت الكلمات الرسمية، فألقى عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية الأستاذ فتحي أوهيب، كلمة تناول فيها الأبعاد التاريخية لكفاح الشعب الجزائري، متتبعًا مسار نضاله من أجل التحرر، ومبرزًا أن ثورة نوفمبر لم تكن حدثًا عابرًا في سجل الأيام، بل كانت تعبيرًا عن إرادة شعب آمن بعدالة قضيته وبحقه المشروع في الحرية وتقرير مصيره، فجمع كفاحه بين صلابة الموقف وعمق المشروعية.
ثم تُليت كلمة مدير الجامعة نيابةً عنه، تولّى إلقاءها نائبه الأستاذ بونوار بن صايم، وقد جاءت دعوةً صريحة إلى وصل الناشئة بتاريخها الوطني، وتعريفها بمحطات النضال والتضحيات التي نسجت خيوط الاستقلال، إذ لا يصون حاضرَه ولا يرسم غدَه من جهل ماضيه. وأكدت الكلمة أن جذوة نوفمبر لم تنطفئ، بل ما زالت تتوقّد في وجدان الشباب، وتمدّ الأمة بما تحتاجه من ثباتٍ وأمل. وذكّرت بأن الوفاء للشهداء لا تُعبّر عنه الكلمات وحدها، وإنما يُترجمه الشباب اليوم بوعيهم وإرادتهم وعزمهم على خدمة الوطن: علمٌ يرفع شأن الأمم، وعملٌ يصنع نهضتها، وابتكارٌ يفتح لها آفاق الغد، ومسؤوليةٌ تُحوّل الانتماء من شعور إلى فعل. كما نوّهت بأن الجامعة، بما تضمّه من طاقات وكفاءات، مدعوّة إلى الجمع بين حفظ الذاكرة الوطنية وصناعة المستقبل، ليبقى جيل اليوم أمينًا على الوديعة التي تركها له جيل نوفمبر.
وفي إطار استحضار الذاكرة التاريخية، ألقى الأستاذ ماهر بوكلي حسن، من كلية الحقوق والعلوم السياسية، محاضرة تاريخية سافر فيها بالحاضرين عبر تاريخ الجزائر، بما يحمله من عمق حضاري وما شهده من محطات متعاقبة أسهمت في تشكيل هويتها الوطنية وبلورة ملامح شخصيتها على مرّ العصور. وأتاحت المداخلة تتبّع المسار التاريخي للجزائر، والتوقف عند دور الذاكرة في فهم التحولات التي عرفتها البلاد، وإدراك ما اجتمع عبر الأجيال من مقومات الانتماء والوعي الوطني. كما أبرزت مكانة التاريخ بوصفه سجلًّا حيًّا لتجارب الأمة ومرجعًا لقراءة حاضرها واستشراف مستقبلها، مؤكدة أن العودة إلى الماضي لا تعني الاكتفاء بسرد وقائعه، بل تفتح نافذة على قراءة أعمق للمسار الوطني، وتغرس في الناشئة الإحساس بجذورها الحضارية والاعتزاز بهويتها.
وتكامل هذا البعد المعرفي مع عرض مسرحي أعاد إلى الأذهان مشاهد من الذاكرة النضالية وتضحيات شهداء الثورة التحريرية، فانتقل بالحضور من رحاب الكلمة إلى فضاء الخشبة، حيث تجسّدت الذاكرة صورًا حيّة تنبض بالمعاني، وجمع العرض بين استكشاف عمق التاريخ الجزائري وتخليد إحدى أبرز محطاته في الوجدان الوطني.
وفي مسك الختام، تجلت أسمى معاني الوطنية بساحة الجامعة حيث رُفع العلم الوطني استقبالاً للفاتح من نوفمبر، وتذكاراً لساعة الخلود التي أشرقت فيها شمس الثورة التحريرية سنة 1954، لِيُختتم اللقاء بتكريم البصمات المشاركة. وبهذا العرس التاريخي، جددت جامعة تلمسان العهد على حراسة الذاكرة الوطنية وغرس جذور الوعي التاريخي في نفوس الشباب، ليبقي نوفمبر نبعاً لا ينضب يربط عظمة الماضي بأحلام المستقبل.
عاشت الجزائر حرّة أبيّة، المجد والخلود لشهدائنا الأبرار